كورونا والوافدون بين الإنسانية والواجب

6 مايو 2020

الوصال- خولة الحوسني


ما أن بدأت أزمة كورونا منذ ما يقارب الثلاثة أشهر وما صاحبها من إجراءات وقائية للحد من إنتشار الفيروس وبما أن الموضوع يتعلق بحياة البشر وسلامتهم لأنه هم وقود الأمه وحتى لا تخسر الدول هذا الوقود والقوة التي تحركها فكانت التضحيات كثيرة من أجل سلامة الأرواح من ناحية، ومن أجل لا تتكبد الدول خسائر لا تحمد عقابها ما إذا تفشى المرض وبالتالي تكون نتائجها وخيمة على الشعب قد يحتاج سنوات للتعافي منها من ناحية أخرى.لذلك فأن التضحية كان لابد منها في الكثير من المجالات وأهمها إيقاف المدارس تلتها غلق المطارات والمعابر البرية والبحرية وتجميد الحركة التجارية بشكل عام وإغلاق مناطق وحظر التواصل الإجتماعي وغيرها الكثير.

وبما أن الإنسان هو المحور الأساسي في هذه الأزمة فكان لابد من إذابة بعض القيود وتجاوز بعض الجدران القانوينة التنظيمية فوجدناها تنحسر تدريجياً أمام هذه الجائحة لأن الإنسانية فوق كل إعتبار وهذا ليس بغريب عندما يكون الموضوع متعلق بمجال إنساني بحت ألا وهو المجال الطبي والذي يتعامل مع الإنسان متجاوز بذلك كل التساؤلات ومتخطيئاً العراقيل التي من شأنها أن تقف أمام الإجراءات الطبية، هنا تختفي كل القيود وتبقى الإنسانية سيدة الموقف.

فهذا ما حدث بالفعل عندما وصل الأمر للتعامل مع الوافدين وأقصد بذلك العمالة والذين يبلغ عددهم ما يقارب المليونيين حسب إحصائيات 2019 أي يشكلون 43% من نسبة السكان البالغ عددهم 4,6 مليون هذا إلى جانب العمالة الغير قانونية.

وبعد أن أعطيت جميع هذه الفئات الأمان وانصاعت للتعليمات لضرورة الخضوع للفحص فقد كشفت الإحصائيات الصادرة من وزارة الصحة بأن عدد المصابين من الوافدين حتى اليوم وصل إلى (1799) أي ما يعادل 62% من نسبة الإصابة الكلية البالغة (2903) كما أنهم مثلوا ما يقارب 54% من نسبة الوفيات الكلية التي وصلت إلى 13 حالة وفاة حتى الأمس.

ولكن لماذا ظهرت الكثير من الإصابات لدى الوافدين مع أن النتائج الأولى كانت تظهر الإصابات لعمانيين فقط أحتكوا بمرضى من داخل الأسرة الواحدة ولم يكن هناك نقل مجتمعي وفجأة أرتفع العدد ليطغى عدد الوافدين وبدأ الإنتشار في المناطق التي بها كثافة من االعمالة الوافدة كمطرح مثلاً؟!! الإجابة الحاضرة في الذهن والتي يعرفها الجميع هي أن بيئات سكن هذه الفئات قد تكون خالية تماماً من وسائل الصحة والسلامة وأولها التكدس في المبنى الواحد وقد يصل إلى عشرات الأفراد في غرفة واحدة يتشاركون مع باقي الغرف في نفس المبنى والتي تضم أيضاً العشرات في دورة مياه واحدة!! و لكم تتخيلوا باقي المشهد.

ولكن هناك أسباب أخرى غير واضحة للجميع وسأركز على واحده منها والتي لفتت إنتباهي في هذه الأزمة ألا وهي أن عدد كبير من هذه الفئات ليس لديها تأمين صحي. فحتى الآن لا يوجد قانون يفرض على أصحاب الأعمال أن يأمنعلى العامل صحياً وبالتالي فأنهم لا يتجهون إلى المؤسسات الصحية وقت المرض لأن المبلغ الذي سيدفعه ولو كان بسيط يعتبر كبير بالنسبة له وخاصة من يتقاضى رواتب متدنية جدا في الشهر، وفي المقابل قد يكون صاحب العمل غير قادر على دفع مبلغ التأمين للعامل. قد يقول قائل أهل الخير كثر ولن يتخلوا عنه وقت الحاجة… اتفق وعمان بها الخير وافر ولكن لماذا الإنتظار إذا كان بالإمكان تأمين الحصول على الرعاية الصحية سلفاً؟

في هذه الأزمة لو أفترضنا أن العامل موئمن صحياً لأتجه الكثيرون للفحص عندما أحسوا بالأعراض من البداية ولكن لم يقوموا بذلك إلا عندما تم الإعلان بأن الفحص مجاني للجميع عندها بدأت الأعداد ترتفع حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

في الهند تجربة رائعه يمكن أن يستفاد منها في هذا الجانب وهي بسيطة ولكن آثرها غير حياة الملايين، فقد قام جراح القلب الهندي ديفي براساد شيتي صاحب سلسلة مستشفيات نارايانا في الهند (23 مستشفى) والمتوزعة في 14 مدينة هندية بتطبيق فكرة بسيطة جداً أنقذت الملايين من مرضى القلب. وذلك بعد أن لاحظ عدم قدرة الكثيرين على تحمل تكاليف عمليات القلب والتي تعتبر باهضة بالنسبة لدخلهم المنخفض، حيث أن 2 مليون ونصف شخص هم بحاجة لإجراء عمليات القلب سنوياً في الهند إلا أن 80-90 ألف فقط من كانوا قادرين لإجراء تلك العمليات ، فقام الجراح بالتعاون مع إحدى شركات التأمينوالحكومة بإقناع المزارعين في أحدى المناطق النائية بالمساهمة بخمس ربيات أي ما يعادل 25 بيسة وبذلك تمكن من إجراء 60 ألف عملية قلب للمزاعرين في تلك المنطقة فقط وذلك بفضل الخمس ربيات ومن خلال تطبيق هذه الفكرة أيضاً تمكن من توفير خدمات صحية ل40% من المرضى الغير مقتدرين إضافة إلى المبادرات الأخرى لصالح المرضى. ويعتبر المستشفى اليوم أحدى النماذج الصحية العالمية كما أنه أحد أكبر شبكات التطبيب عن بُعد حول العالم.

لو طبقت هذه الفكرة مع الوافدين (العمالة) بإنشاء صندوق تأمين صحي بحيث يضمن لهم رعاية صحية جيدة حتى في الحالات الصعبة دون الحاجة للعودة لبلدهم كما يحدث في الكثير من الحالات وبالتالي يستفاد من نفقات العلاج لتكون رافداً للقطاع الصحي بالسلطنة ، وسيساهم بشكل كبير في تأمين العلاج الضروري خاصة في الظروف الصعبه لهم وفي حالات الكوارث والجوائح التي تمر بها الدول.

وذلك إذا افترضنا أن يساهم كل شخص من 2 مليون من العمالة الوافدة بريالبذلك سيرفد الصنوق بما يقارب 24 مليون ريال سنوياً ‬بهذه الفكرة يمكن توفيربيئة صحية ملائمة للعمل والاستفادة منهم دون أي أضرار على أرواحهم.

وأخيراً …”خمسة معزولين عن بعضهم ضعفاء ولكن مجتمعين أقوياء”… جراح القلب ديفي براساد شيتي