للصباح…. عودة

30 سبتمبر 2020

بقلم -حمود بن سالم السيابي

هو آخر القادمين إلى قصر بيان وقد اتشح سيف معركة “الرقّة” التي قادها أسلافه الذين انتصروا على الدماء فتصالح العتوب وبنو كعب.
وهو سليل العائدين إلى كاظمة من ساحات معركة “هدية” دون أن يترجّلوا عن أحصنتهم ما لم يتآخى آل الصباح وشمّر.
وهو آخر من نصب خيمته في صحروات “أعلام الزركلي” ليرأس المجلس حيث يجلس ببشته الواسع وغترته البيضاء وعقاله المرعز.
عرفه الكويتيون من “سير أعلام النبلاء للذهبي” قبل أن يتوقفوا عند التسلسل الشامخ لآل الصباح فكان “بو ناصر” في الصدارة يزاحم الكبار الكبار الكبار.
ولم يكن بيان النعي القصير مفاجئا للأمة فوزير الديوان الأميري كان مصرَّا على إبقاء كل التفاصيل في عهدة “ابن خلكان” كتتمَّة لصفحات “وفيات الأعيان” فذلك استحقاقه في التدوين.
ورغم أن الشيخ صباح الأحمد هو شيخ الكويت والكويتيين إلا أن قبائل العرب تقاسم العتوب مشيخته وأبوَّته وتاريخه ، ولذلك تنتحب دماً لرحيله ، وتبكيه بنفس حرقة الكويتيين.
لقد أحبّ “بو ناصر” بادية العرب فاستذكرتْ نخيل عمان وحضرموت والقصيم والبصرة وواحات مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وشائجها مع نخيل الوفرة والعبدلي فاللنَّخل أحزانه.
وتسابقت نوق العرب لحمل الماء إلى حيث ينصب شيخ العتوب خيمته ويربط خيوله ونوقه ويعلق قنديله وليتوسَّد الرمل وبجانبه الراديو الذي يضعه في أحزان الأمة التي عمل حتى الهزبع الأخير من العمر لتستعيد زمنها وعنفوانها وكرامتها وقرارها وسماءها المقمرة.
وأحَبَّ “بو ناصر” البحر و”الحداج” و”اليامال” والنواخذة ، فكل الموج الذي تشكَّل في “الشويمية” ببحر العرب في عمان لم يتكسر قبل أن تكبر زرقته في “فيلكة” ، وقبل أن يحمل معه البحر الأحمر حتى ينثر رضابه في “نواذيبو” على شطآن الأطلسي في موريتانيا.
ويحضر “بو ناصر” في الذاكرة مثقلاً بتسعين عاما ملأتْ قلبه قيحاً وصديداً ، فقد عاصر الحرب العالمية الثانية بكل ارتداداتها على الجغرافيا السياسية.
وعايش نكسة ٦٧ بآثارها النفسية المدمرة.
وانتعش بنصر العاشر من رمضان إلى أن أدمى قلبه اختطاف الجابرية وأحزنته المحاولة الآثمة لاغتيال الشيخ جابر الأحمد بخنجر مسموم.
وكاد “بو ناصر” أن يفقد ثقته بأمته في دخول الدبابات العراقية لقصر دسمان بكل ما ترتب على الغزو من انتكاسات كحرب الخليج واحتلال العراق وتغلغل الفرس في خمس عواصم عربية بمجاهرة رجالهم الإعلان عن ذلك ثم حرب اليمن وحصار قطر.
ورغم أن الراحل الكبير لم يجلس على الكرسي رقم واحد إلا بعد رحيل الشيخ جابر الأحمد فقد كان الحاضر الأقوى في كل العهود الكويتية ، والاطفائي الأبرز في كل الحرائق السياسية.
ويوم يرحل “بو ناصر” فإن صفحة زاهية من البداوة العربية تنطوي وخيمة عرببة تتهاوى على سمّارها ورباباتها وأعوادها وصباباتها وقصائدها ، وقنديلا عربيا ينطفئ وضحكة صافية تموت.
ولعله آخر المُطلِّين على تاريخنا من “سير أعلام النبلاء”.
وآخر من يفسح لهم “ابن خلكان” المساحة في “وفيات الأعيان”.
ولربما رحل الشخ صباح وفق بيانات النعي وإعلانات الحداد الرسمي وتعطيل العمل إلا أن الصباح لا يموت.
وغدا .. سيطل الصباح مع برودة الفجر وبلل الندى ومجيئ النهار.
وستبقى عمان تشاطر أشقاءها الأحزان ، فهي حديثة عهد بالوجع ، وجرحها المفتوح لم يبرأ بعد ولن يبرأ.
وستحتفظ في ذاكرتها ل “بو ناصر” قدومه بمرضه وشيخوخته إلى قصر العلم ليواسي الهيثم المعظم ومن خلاله لأهل عمان .
وسيبقى العمانيون يرددون مع أهل الكويت النشيد الكويتي:

“وَطَني الكُوَيْتَ سَلِمْتَ للمَـجْـدِ
وعلى جبينك طالعُ السَّعْدٍ

يَـا مَـهْـدَ آبـاءِ الأُلَـى كَـتَـبُـوا
سِفْرَ الخُلودِ فإنَّهم شُهُبُ

الـلـهُ أَكــبَــرُ إنَــهُــمْ عَــرَبُ
طَلعَتْ كواكبُ جنَّةِ الخُلْدِ”
—————————
مسقط في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٠م.