من يملك علاج الهدم

15 أكتوبر 2020

الوصال – خولة الحوسني 

 مضت سنوات منذ أن قاد العقل البشري المستنير العالم إلى مراحل عميقة لاكتشاف المجهول ورؤية مكنونات المستور فانتقل بعد أن عمّر الأرض وارتكز فيها إلى خارجها؛ ليتأمل ويتفكر وليتشعب بالعلم ويمهد الطريق لحياة أوسع قد تكون أكثر أماناً واستقراراً وبموارد متعددة، متخطياً بذلك المشاكل السطحية التي كانت تقف عائقاً للنمو والتقدم، ولكن يأبى بعض البشر أن يترك لعقله العنان ليسمو أو بعبارة أخرى “تخلف مقصود” لذلك نعود ونناقش قضايا من المفترض أننا تخطيناها وأصبحت من الماضي. 

قضايا لا يستفاق منها إلا بعد أن يصل الشخص إلى مرحلة الفقد المبني على أسباب يصنعها بنفسه والتي يمكن تسميتها بفقد الهدم، وأقول الهدم لأنه هدم للمستقبل سواء كان على المستوى الفردي أو الدولة والمجتمع ولهذا الفقد تأثير أكبر من أي فقد آخر لأن تراكماته تشمل مصير شعب وتظل تبعاتها لسنوات وعلاجها يحتاج إلى ابتكار عقاقير تعالج الضمير وتنشط خلاياه الميتة.

هذا المرض يدعى في علم الإدارة بالترهل الوظيفي أو البطالة المقنعة وهو ورم يجب أن يعالج قبل علاج مشكلة الباحثين عن عمل التي نعيش دوامتها في هذه الأيام وما تبعها من قرارات بين ضد ومع، فحل مشكلة الباحثين عن عمل تكون فعلياً من خلال إيجاد الوظائف ووضع السياسات وليس حشو المؤسسات بالبشر حتى لا نترك مرض الترهل الوظيفي يتغلغل بشكل أكبر فتذهب الأجور في غير محلها مع ضعف الإنتاجية كما هو الحال في الكثير من المؤسسات وبالأخص الحكومية. وقد يكون المثال الأقرب لتفشي هذا المرض عندما قُلص نسبة الموظفين إلى 30% في بداية انتشار جائحة كورونا فاستمر العمل ولم يتأثر كثيراً؛ لأن من كانوا يعملون استمروا في عملهم وعززوا من إنتاجيتهم.

حسب إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات فإن معدل 2.8 من إجمالي عدد سكان السلطنة البالغ 4.6 مليون نسمة للعام 2019 فقط، ينتظرون الحكومة لتقدم لهم الوظيفة، هؤلاء قد يساعدوا في حركة التنمية وقد يثقلوا هذه العجلة إذا ظهر منهم من يزيد من ظاهرة الترهل الوظيفي التي لها آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى ضعف الأداء والمنافسة.

هؤلاء بحاجة إلى التحصين قبل مخالطة المصابين وخاصة الحالات الحرجة  وهم من يمثلون النوع الثاني إذا ما افترضنا أن هناك ثلاثة أنواع من الموظفين من حيث الهدف الذي سعوا إليه في الحصول على وظيفة، النوع الأول الطموح الذي سعى للوظيفة ليعطي ويضيف ويطور ولديه طموح في السلم الوظيفي يسعى إليه بجهده ويستغل مهاراته، وهناك نوع آخر من سعى للوظيفة من أجل الحصول على المال فقط مؤمناً بأن الوظيفة حق من حقوقة متناسياً كل واجباته هادماً لوقت الإنتاجية، أما النوع الثالث فهو من يعمل من أجل الحصول على المال ولكن في إطار جهده أي يعطي في حدود مهامه الوظيفية فقط، النوع الثاني يجب استئصاله فوجوده كعدمه ومعدٍ لأنه صاحب مبدأ اعطني حقي ولا تطالبني بواجبي لدية قدرة على الإقناع وفي الحقيقة هو مجرد رقم مستنزف لموازنة الرواتب وشاغراً لطاولة وكرسي.

وبما أنه لا يمكن التنبؤ بهذا النوع إلا بعد شغره للوظيفة وحتى لا نثقل العجلة ونوقفها يجب دراسة سلوك وأهداف هذا العدد لتعزيز ثقافة العمل الصحيحة لديهم وبالأخص من نشأوا في بيئات أورثتهم مصطلحات وسلوكيات وظيفية خاطئة فكما سعى البعض للتعلم من أجل الشهادة فقط فهناك من سيسعى للراتب من دون إنتاجية ، ومن جهة أخرى لابد من ركن المجاملات جانباً وتفعيل ميزان العقاب والثواب في بيئة العمل لمن هم على رأس عملهم إلى جانب نقل القانون من الأوراق إلى الواقع فأرقام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشيير إلى أن 76 موظفا فقط أقيلوا في 2019 بسبب الإنقطاع  عن العمل إذا كان هذا العدد يشمل النوع الثاني فهذا يعني بأن القانون لابد أن يتوغل من أجل المصلحة العامة مع تغيير آلية التقييم المتبع في الجهات الحكومية حتى يعي المقبل على الوظيفة بأنها واجب وطني تستغل فيه قدراته وجهده من أجل الوطن، فإذا طبق هذا النظام عندها سيشعر المقصر بألم الفقد عندما يفقد وظيفته سيعي حينها أن الوظيفة كانت أمانة ولم يقدر على حملها ففقدها.  

عُمان بحاجة إلى أياد منتجه تبنى مستقبلاً بأساس متين يكون قادراً على حمل من سيأتوا بعد هذا الجيل.