ماذا بعد ضريبة القيمة المضافة؟

18 أكتوبر 2020

الوصال – خلفان الطوقي 

لم يتفاجأ الكثير من المتابعين الدوليين والمحليين بقانون ضريبة القيمة المضافة والمزمع تطبيقه فعليا في أبريل ٢٠٢١ والسبب انه تم تداوله في الأوساط المختصة منذ عام ٢٠١٦ حيث تم تأجيل قرار تطبيقه في عام ٢٠١٨م وفي عام ٢٠١٩م لأكثر من مرة، لكنه لم تستطع الحكومة تأجيله أكثر من ذلك بالرغم من توصية مجلس عمان بتطبيقه في عام ٢٠٢٢ وبشروط نمو اقتصادي معين، لكن الواقع كان أقوى وأصعب من هذه التوصية، وخير دليل على صعوبة التأجيل أكثر من ذلك هو إنزال المؤسسة الائتمانية العالمية S&P لوضع السلطنة المالي قبل عدة أيام إلى درجة BB- (مستقر)،وأيضا إنزال درجة السلطنة المالية هذا العام 2020م من مؤسسات دولية أخرى مثل مؤسسة موديز ومؤسسة فيتش ولأكثر من درجة، وتوقع بعض هذه المؤسسات العالمية ارتفاع الدين العام من ٦٠٪ لعام ٢٠١٩م ليتجاوز أكثر من ٨٠٪ من الناتج الإجمالي المحلي في نهاية عام ٢٠٢٠م، وارتفاع مديونية شركاتها الحكومية من ٣٠٪ لتصل لأكثر من ٤٣٪، هذا وظروف أخرى يعرض الحكومة لمزيد من الضغوط وإجراءات مالية إضافية في المستقبل.

بعد أن أصبحت ضريبة VAT واقعا بالرغم من استياء الكثير من الناس، فإن الحكومة لن تكون في خيار مناسب أن تبث مثل هذه الأخبار الصدمة خبرا بعد خبر، وعليها أن تستشعر الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، ولكي تتجنب هذه الآثار، فلا بد لها أن تعمل في عدة مسارات في ذات الوقت، وأن تتبنى في أسرع وقت ممكن القيام بعدة خطوات استباقية وابتكارية، وأهم هذه الخطوات العملية والميدانية: خطة التواصل المجتمعي، وتحدد فيها ملامح السياسة الإعلامية، وتحديد الشركاء، والمعلومات الواجب إيصالها للمجتمع المحلي والدولي، والطريقة المثلى لإيصال الرسالة إلى المواطن والمقيم والمستثمر وتوقيت الرسالة، ثانيا: سرعة طرح حزمة اقتصادية تحفيزية، فلا يمكن أن تحل أزماتنا المالية في كل مرة بالاقتراض أو بفرض الضريبة بأنواعها ورفع رسوم الخدمات الحكومية سنة بعد سنة، التي بدورها تساهم في تهريب الاستثمارات المحلية قبل الأجنبية، والتي سوف تعمق الأزمة وتساهم في انكماش الاقتصاد بدلا من إنقاذ الموقف.

ثالثا: تطبيق الحوكمة على جميع المعاملات الحكومية من إجراءات وقرارات وتعاميم وممارسات، والإعلان عن عزم الحكومة التعامل المهني بين الموظفين فيما بينهم بغض النظر عن الرتبة والتسلسل الوظيفي من ناحية، وبين الموظف والمراجع من ناحية أخرى المبنية على الإنتاجية ورفع مستوى خدمة المراجعين والتعامل المبني على مؤشرات الأداء الواضحة للجميع المحددة سلفا، والهادفة إلى زيادة إنتاجية جميع المؤسسات الحكومية ومن خلال كل الموظفين دون استثناء.

رابعا: تعديل وتجديد القوانين والتشريعات الممكنة لمزيد من الإنتاجية والتميز، وتحقيق معدلات عليا في كل النواحي الكمية والنوعية، فالعبرة لا تكمن في تغير الشخصيات، بل العبرة بتغير النظم والفكر والممارسات والتشريعات، والانتقال من مرحلة العمل الحكومي كضمان اجتماعي إلى فكر نوعي إنتاجي يأتي بقيمة مضافة للعملاء والمراجعين.

خامسا: الاستفادة من الحلول التكنولوجية المتقدمة وتقنية الجيل الرابع وانترنت الأشياء لتعظيم العوائد المالية لخزينة الدولة، ولأننا في دولة واحدة، فمن غير المنطقي وبعد أكثر من حوالي ١٨ عاما على إقرار استراتيجية الحكومة الإلكترونية، فما زال الفارق شاسعا بين جهة حكومية كشرطة عمان السلطانية من حيث التطور والتقدم وجودة وسرعة الإنجاز، وجهة حكومية أخرى متأخرة جدا، وما زالت إلى الآن تستخدم الورق والطرق التقليدية في تعاملاتها اليومية، وكأننا في دولتين مختلفتين، فلا عجب أن تجد الإشادة لجهة والاستياء من جهة حكومية أخرى.

سادسا: الوعي التام من المسؤول الحكومي فإن التضحية لابد أن تكون من الجميع، لأنه أصبح هناك شعور متنام من المواطن بأن الحلول المفروضة تطال محدودي ومتوسطي الدخل فقط، لذلك فمن المناسب أن توضح الحكومة أن التضحيات طالت وتطال الجميع، ليتم إقناعه، ويتم تقبلها مجتمعيا بصدر رحب، على أن تكون هناك جرأة من الحكومة بأن تعلن عن أي إجراءات يتم إقرارها، ومدى رقعة التضحيات التي طالت الجميع دون استثناء.

سابعا: مراجعة سياسة المِنح والاستثناءات والعطايا والهبات والمكافآت والمشتريات الحكومية والمناقصات والإسناد المباشر وغيرها من تفاصيل السياسات المختلفة، وإعادة دراستها وتطويرها بما يتوافق مع الظروف الحالية والمتوقعة مستقبلا، فظروف الماضي ليست كظروف اليوم أو متطلبات المستقبل، فلكل مرحلة ظروف، ولابد أن تكون لها قراراتها وسياساتها، والأهم من ذلك الإعلان عنها ليكون الجميع على بينة من ذلك.

وأخيرا، إن سعت الحكومة في إقناع المواطن والتاجر بتطبيق ضريبة أو أي قرار قاس، فلابد أن تقنعه بأن هناك حلولا شاملة اقتصادية واستثمارية وإدارية وتقنية وابتكارية، وهناك حلول قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وكل حل من هذه الحلول يأتي بثماره في وقت معين، ولابد للجميع أن يكون مشاركا في رحلة طويلة، ولابد من الجميع أن يساهم بجزء من التضحية؛ ليصل بنا قارب الوطن إلى بر الأمان.