الصحفي الأستاذ حمود السيابي يكتب: “لقد عرفَ الموتُ إنَّا نحبّك”

10 يناير 2022

يا لعقارب ساعات هذا اليوم وهي تتسحَّب من الساعات.

يا لجبال العالم وهي تتزحزح من أمكنتها لتجثم فوق صدور العمانيين.

يا للوجع الذي يخرج من أفئدة الكون ليعتصر أكبادنا.

ويا للموعد الذي يخاتلنا فنتهرّب منه.

يا لهذا اليوم الذي لا نحبه

لقد جاء الصباح ولم يجيئ

ودخلنا الظهيرة ولم ندخل فالشمس باردة كالثلج ولاهبة كمواقد الغداء.

وحلَّ المساء يا لظلام المساء.

يهزمنا جنون الهواتف برسائل استنفار للبدلات العسكرية للمجيئ إلى مسقط فتحملنا المقدمات إلى الرحيل قبل الرحيل.

وتسترق الأسماع لتمتمات المصلين في المساجد يدعون لك ويتبادلون وجع الحكايات فنصدقهم لأنهم في حالة وضوء.

وتصدمنا النذر السوداء في انفعال الحيارى حولنا والذين لا يملكون اقتطاع أعمار من الأعمار ليمدوا عمرك.

نصف قرن ونحن نعيشك سيدنا فنصطف في الدروب لمرور موكبك لنهتف بحياتك.

ونرى صورك فنقف بلا شعور لأن السلام السلطاني سيعزف فأنت برسم الوصول لافتتاح مدرسة في الجبل ، وأنك ستكتب على السبورة التاريخ بالطباشير.

أو ترمِّم حصنا وفاء لناصر بن مرشد وقيد الأرض.

أو تدشن قطعة بحرية لتعزيز أسطول سعيد بن سلطان

أو تزور مستشفى وفي أياديك الحلويات لطفل ينهشه السرطان.

نتذكرك سيدنا فنتذكر البدايات يوم شاهدناك تغادر قصر الحصن في اللاندروفر المكشوفة وأنت في طريقك إلى مهبط الطائرات بصلالة لتستقل طائرتك إلى مسقط قي الرحلة السلطانية رقم واحد.

ونتذكرك وقد كبر الطفل فينا نصف قرن ليراك تغادر جامعك الأكبر على متن نفس السيارة اللاند روفر المكشوفة ولكن الوجهة مختلفة وإن تشابهتْ مطيات السفر.

لقد جئت سيدنا كحلم جميل إلا أن الأحلام تتبدد مع لون النهار وحلمك لا ينتهي فالفصول طويلة ، وزمنك المثقل بالإنجارات سيحتاج سرده لقرون وقرون.

وجئت سيدنا كالمطر إلا أن المطر سرعان ما يطوي مظلته ليبقى هذيان الألسن عن الذين اختبروا غدر الوديان ومطرك سيدنا لا يطوي مظلته الملونة بل يضعها فزاعة للطيور التي تهاجم حقول القمح وطلع النبات وجلّنار الرمان وزهر القت ومروج الياسمين.

وكل الأئمة والسلاطين الذين تعاقبوا على عمان التاريخية يزهرون في مداد  المخطوطات القديمة بين قراءة منصفة وأخرى متسائلة فلا نتحمّل وزر النقل  .

إلَّا إطلالاتك المنقولة على الهواء سيدنا بدءاً بالحشود التي التقتْ على براءة الأسئلة عند أسوار قصر الحصن في أصيل ٢٣ يوليو من عام ١٩٧٠ وحتى وقوفك كرمح في آخر عيد وطني في المصنعة في ١٨ نوفمبر عام ٢٠١٩ فقد عشنا مسيرتك دون اجتهادات الناقلين.

وكل الإنجازات العظيمة للأسلاف قرأناها في تدوينات الأسلاف عن الأسلاف.

إلَّا إنجازاتك سيدنا عشناها حجرة حجرة منذ أن التمعتْ كوعد حتى تطورت كبشرى وإلى الاحتفال بافتتاحها كإضافة كبيرة في حصاد المسيرة وقد أنجز حرٌّ ما وعد.

وكل الحضور السياسي المنسوب للأسلاف تمثل في دقل سفينة قديمة وضعت وشْما على ميناء الوصول وبقايا قلعة في نتوء صخري جار عليه الموج ، أو في وثيقة بين مقتنيات متحف أوروبي أو هدية تعبق بالأيام الخوالي في هذا القصر وذاك.

إلا الحضور الذي أرسيته سيدنا وقد عشناه حيَّاً على الهواء منذ أول وفد شكلته باسم وفد الصداقة العماني برئاسة الشيخ سعود الخليلي إلى إفشالك المؤمرات الأممية وانتصارك في حربك التاريخية على العدو  ، إلى أمنيتك بيوم تنظر فيه إلى الخارطة وقد ارتبطتْ دول العالم بعلاقات متينة مع عمان.

إلى إعمال العقل والحكمة في إنقاذك الرهائن من براثن الموت.

 إلى الدور المشهود كإطفائي للحرائق السياسية التي تعصف بالعالم.

إلى جعل العماني يمشي في عواصم العالم مرفوع الرأس لأن أيادي عمان نظيفة بلا دماء ، ولأن الوطن ارتفع عن الصغائر ونأى بالنفس عن الأجندات والمشاريع والإملاءات و”الفزعات” الصبيانية ونعيق “ربيع من خطف وغويز من ردوه” ، وعبثية توجيهات “الريموت كنترول”.

وكل الأسلاف العظام الذين تعاقبوا على الوطن رحلوا دون أن نعيش عهودهم  ولذلك لا يوجعنا الفقد.

إلا أنت سيدنا الذي جئت وجئنا معك.

وكبرت سيدنا وكبرنا بك ومعك.

ويوم داهمك المرض داريته بصلابتك العسكرية التي تعطل الشرط البشري فلا تئن رغم الشدة ، ولا تتأوه رغم النزيف ولا تسلِّم لفرضيات الطب ولا تستسلم لمخاوف الأطباء. 

وإلى آخر عيد للوطن كنتَ تقف على المنصة كرمح غير آبه بسكاكين الوجع ونصاله وهي تتقارع.

وكنتَ تشعر أنه لمجرد أن يصرخ قائد العرض “السلام لجلالة السلطان” فإن شحنة إيجابية تتنزل فتنسى وجعك لتتذكر الوطن ، فأي وجع  بمقدوره أن يحول دون هذه الوقفة الشامخة ذات فرح. 

ومن رحمتكم بالعمانيين سيدنا أن اخترتم من سيسير بعمان بما تستحقه عمان.

ولذلك ظلت صورتكم الشريفة مكانها في حيطان المكاتب كما هي دوما منقوشة على الأكباد دون أن تحتكم لمنطق “رحل السلطان جاء السلطان” ، بل تكرست نبلا ووفاء بمنطق “جاء السلطان وبقي السلطان”.

واستمرارا لنفس النهج فقد أعلن مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه خلال لقائه بشيوخ جنوب الشرقية بأن اللقاءات بأعيان البلاد ستتواصل لكي تفكر عمان قمة وقاعدة بصوت مسموع فيما يسهم بتقدمها ورفعة شعبها

وكأنَّ السيوح التي كانت ممرعة ستعود ، وإن اختلفت المواكب وأماكن التخييم فالمواعيد مع المستقبل ستضرب والمشاوير خضراء.

 إنه العاشر من يناير الذي لا نحبه

ولكن الموت كما يقول محمود درويش “يعرف إنا نحبك”.