الاقتصاد البنفسجي والتنمية

22 مارس 2022

 الوصال – خلفان الطوقي

يقسم الاقتصاد إلى عدة ألوان، ومن ضمن هذه الألوان هو اللون البنفسجي، وذكر للمرة الأولى في عاصمة الثقافة باريس الفرنسية في عام 2011، وباريس هي المكان المثالي لتبني هذا النوع من أنواع الاقتصادات، خاصة أن الاقتصاد البنفسجي معني بالبعد الإنساني والثقافي، ومثلما هو معلوم وما هو مترسخ في عقولنا عن باريس أنها عاصمة الثقافة والجمال، ومنذ تلك اللحظة بدأ ظهور ما يسمى بالاقتصاد البنفسجي.

قوة وضعف هذا النوع من الاقتصادات يعتمد على استطاعة دولة ما في توظيف ما هو موجود لديها من موروثات معنوية أو مادية وتحويلها لقيمة اقتصادية يستفيد منها الاقتصاد الكلي أو الناتج المحلي الإجمالي، والعامل المؤثر أيضا هو حجم الإرث الموجود في هذه الدولة أو تلك، بمعنى أن هذا الإرث يوجد بكميات كبيرة في دولة معينة مُقارنة بدول أخرى.
يمكن للمكونات الثقافية أن تستخدم التوظيف المجدي إذا تمكن القائمون عليه بتحويله إلى منتجات أو خدمات يقبل عليها الأفراد، ولتقريب الصورة يمكن أن نذكر مثالا تطبيقيا، على سبيل المثال: اعتبار “حصن جبرين” كأحد المعالم من ضمن التراث العالمي التابع لليونسكو، فبالرغم من أنه إنجاز نفتخر به كعمانيين أفرادا وحكومة، ولكن إن أردنا أن نطبق عليه نظرية الاقتصاد البنفسجي، فما علينا إلا أن نذهب أعمق بكثير من ذلك، علينا أن نقيس عدد السياح الذين يزورون الحصن، وكم يدفعون هناك مباشرة كتذاكر دخول، وماذا يشترون من منتجات لها علاقة بالحصن، وكيف يستفيد أهالي المنطقة المحيطة بشكل مباشر وغير مباشر، وقياس ما هو الأثر الاجتماعي والاقتصادي للقرية والمنطقة والمحافظة والدولة، وكيف لهذا الحصن أن يتفاعل مع بقية مكونات المنظومة المحيطة به؟ وهنا يمكننا معرفة أنه تم الاستفادة من هذا المكون من عدمه.

ولأن ما يهمنا هو الواقع العماني، فهل بإمكان السلطنة الاستثمار أو الاستفادة من الاقتصاد البنفسجي؟ الجواب من وجهة نظري “نعم”، والسؤال الأهم: كيف يمكن لعمان أن تعظم العوائد من الاقتصاد البنفسجي؟ يكون ذلك من خلال عدة عناصر تقوم بها الحكومة والجمعيات المدنية المختصة، وهذه أهمها: التوعية، وهذا دور يقع على الوزارة المعنية بإيصال رسائل توعوية للمجتمع بأهمية الاستفادة بما محيط بهم، وكيفية تحويل ذلك إلى قيمة اقتصادية مجدية اجتماعيا وماليا، وألا تتوقف التوعية في هذا الجانب، على أن تكون بأدوات مبتكرة وخلاقة ومقنعة.

التحفيز، ويكون ذلك من خلال برامج حكومية أو خاصة تحفيزية ماليا ولوجستيا، وهناك مثال واقعي من خلال الشراكة التي قامت بها شركة الأهلية في منطقة الحمراء مع بنك مسقط لتطوير واجهة قرية مسفاة العبريين.

التكامل، ولكي نتمكن من شرح كلمة “التكامل” عمليا يمكننا أن نعود للمثال أعلاه، فقد كان من الصعب الاستفادة القصوى من المشروع السياحي والقرية التراثية في مسفاة العبريين لولا التكامل الذي حصل من خلال وزارة التراث والسياحة والشركة الأهلية في ولاية الحمراء والدراسة التي أعدتها جامعة ليفربول والدعم المقدم من بنك مسقط وتعاون وتكاتف وتفهم أعيان وأهالي الولاية، وبسبب هذا التكامل استطاعت قرية مسفاة العبريين أن تصبح من أفضل القرى التراثية في عام 2021، وذلك من خلال تصويت عالمي، وهنا يظهر أثر الاقتصاد البنفسجي.

العمل المنهجي، ويقصد به أن يتم تبني مفهوم الاقتصاد البنفسجي من خلال جميع مؤسسات الدولة المختصة، وأن تناط المهام والمسؤوليات لكل جهة حسب اختصاصاتها الإشرافية والتشريعية والتنفيذية والمقيمة وفق خطة زمنية واضحة ومحددة، وإلا فإن التقدم في هذا الملف سوف يكون بطيئا ومبنيا على مبادرات فردية وارتجالية، والتي سيكون أثرها قليلا وغير فعال وغير مجدٍ اقتصاديا واجتماعيا.

عُمان تملك جميع المقومات لنجاح الاقتصاد البنفسجي، ولكن يبقى عليها وضع ذلك ضمن الأولويات خاصة مع توجيه السلطان هيثم بن طارق -أيده الله- في تنمية المحافظات وتطبيق مبدأ اللامركزية بشكل تدريجي ومرحلي.