“التخويف” وصناعة كائن مهزوز!

31 أكتوبر 2022
الوصال – إبراهيم العجمي


يذهب بعضنا متأكدا ومتحمسا نحو أن تخويف الطفل هو أسلوب ناجح لكبح جماحه والسيطرة على تمرده والفوضى التي يعيشها والفساد الذي يعيثه داخل المنزل وذلك للمفعول السريع لهذا الأسلوب المتمثل في جعل الطفل يترك كل شيء ويهرول نحو حضن أبيه أو أمه أو إلى مكان آمن آخر متناسين هؤلاء أنهم بهذا الأسلوب قد يخلقون كائنا يحمل الخوف والفوبيا أينما ذهب الخوف من الظلام أو من الوحوش الوهمية التي زرعها الآباء في مخيلته من خلال القصص التي يروونها والأمثلة التي يحكونها.
ومن خلال الواقع نرى أن بعضا ممن تعرض للتخويف في صغره تأثرت حياته وتعثر تقدمه في مراتب الحياة بسبب هذه المخاوف التي لا يمكن أن تتركه إلا بجهد جهيد قد يأخذ منه طاقته ووقته الذي ينبغي أن يصرفه في أمور مفيدة لنفسه ومجتمعه كما أن مثل هذه الممارسات قد تصادف أن تتجمع في شخص لديه عوامل وراثية متعلقة بالخوف والقلق والارتباك فيكون وقع التخويف عليه أخطر ما يجعله مستقبلا عرضة لأن تعتريه الانتكاسات النفسية ولقمة سائغة لأن يعاني من الاعتلالات السلوكية وغالباً ما تُنذر بخطر نفسي وسلوكي كبير على المدى الطويل.
وبحسب ما جاء في بحث نشرته جامعة هارفارد عن تأثير الخوف والقلق المزمن في صحة الأطفال وقدرتهم على النمو تبين أن هذا النوع من التنشيط المزمن لنظام الإجهاد في الجسم يعطّل كفاءة دوائر الدماغ ما يؤدي بدوره إلى مشاكل جسدية ونفسية فورية وطويلة الأمد فدماغ الطفل مازال في مرحلة النمو وأن هذا النوع من الضغط والحمل الزائد لنظام الإجهاد يحدث خلال فترة حساسة لنمو الدماغ.
الدراسة أكدت أن التهديد والتخويف وتعريض الطفل لمشاعر القلق يمكن أن يقلل بشكل كبير من قدرته على التعلُّم والمشاركة والتفاعُل مع من حوله وتطوره العاطفي والشعوري في مختلف مراحله العمرية وليس فقط في طفولته وقد يكون لهذا السبب منع الإسلام تخويف الآخر كما في الحديث المروي: ” لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما”.
ولإبعاد الآباء عن استخدام مثل هذا الأسلوب لدفع أطفالهم إلى إطاعتهم طواعية خاصة فيما يتعلق مثلا بتناول الحليب مع الفطور أو غسل الأسنان أو الالتزام بموعد نوم محدد والتي قد يستخدمون معها تهديد الطفل بـ”العفريت” أو “غرفة الفئران” أو “الحقنة” فلتجنب استخدام ذلك مع الطفل يطرح المتخصصون عدة طرق أخرى أكثر فاعلية وأشد تأثيرا كتعزيز العلاقة الإيجابية وهذا يعني الاستماع إلى الطفل ومشاركته اهتماماته وشرح تجاربه وأيضا التعاطف معه عندما يكون في حالة عصيان أو انزعاج.
إن  تعليم الطفل الطرق المناسبة لطلب الانتباه والتعبير عن مشاعره والتعليم الإيجابي بالتشجيع والإطراء لكل سلوك إيجابي أمر مهم في التربية السليمة كما ينبغي للآباء التزام الهدوء عند ارتكاب الأطفال أمرا خاطئاً وتجنب الغضب والعصبية كما أن عليهم أن يستبدلوا أساليب التهديد والعقاب الحادة بتذكيره بالعواقب الطبيعية للسلوكيات كأن يكون المنع من اللعب إذا تم كسر لعبة أو أن من يسكب الحليب على الأرضية يتم إعطاؤه اسفنجة لتنظيف الأرضية بشرط ألا يطول العقاب وفي الأثر شكا أحدهم لأحد الصالحين ابناً له فقال: ( لا تضربه واهجره ولا تطل ) أي أذا أردت تأديب ابنك فلا تضربه بل اهجره ولا تطل الإعراض والهجر كيلا يحرم من حنانك وعطفك وبالتالي ينقلب الأمر إلى ضده.
إذن لإبعاد الآباء عن استخدام لغة العنف والتهديد والتخويف مع أبنائهم ينصحهم أهل الاختصاص بتعلم كيفية التحكم في نوبات غضب الطفل وأن يتم إشعار الطفل بقرب والديه منه في كل حالاته وأنهما قريبان منه كما أنه ينبغي تجنب الإفراط في استخدام أساليب العقاب وأن تكون محددة بنوع واحد ولمدة محدودة حسب عمر الطفل والأهم في كل ذلك أن يلتزم الأبوان الهدوء والواقعية للحفاظ على استجابة الطفل واستدامة تعلمه بشكل صحي من الخطأ وتجنب اللجوء إلى استعمال الأساليب التي تأتي بنتائج غير مرغوبة كالتخويف الذي لن يصنع أبدا إلا كائنا مهزوزا غير مستقر في كل حالاته.