لنتكلّم حتى نُعرف!

21 نوفمبر 2022

الوصال – إبراهيم العجمي

يعدّ التعبير عن مكنون الذات وخلجات النفس سلوكا طبيعيا ومشروعا ويعد صادقا إلى حد ما بحسب الشرائع والتجارب على مر الزمان وخاصة زماننا الحاضر الذي بات يزخر بتعدد وسائل التعبير عن النفس وتنوعها وسهولة الوصول إليها ورغم كل هذه الصور الجميلة والشعارات البراقة إلا أنّ بعض الدول والجماعات والأفراد في بعض الأماكن من العالم مازالوا مصرّين على تكميم أفواه الآخرين ممن يختلفون معهم في الرأي والفكر بهدف قمعهم وإلغاء أي تأثير لوجودهم متغافلين أو متناسين لأهمية وضرورة أن يتاح للجميع الإدلاء برأيه في كل ما يهمه ويشغل باله كي تسير الحياة بشكل طبيعي بل بصورة أفضل.                                                   

إنّ خبراء السلوك وعلماء الاجتماع يعتبرون إشاعة ثقافة التعبير عن الذات مدعاة لأن يكون الطريق مضيئا أمام الجميع ولأن يشعر الكل بالاستقرار والأمان وأن يحصل كل شخص على حقه في هذه الحياة بالطريقة التي تناسبه وتناسب وضعه الاجتماعي والاقتصادي ويذهب بعضهم إلى أن الطرف الضعيف هو دائما من يستخدم أساليب الالتواء على الحقيقة والدوران ومحاولة تسقيط الآخر أو قمعه أو تكميم فمه فبدل أن يتعب نفسه في مقابلة الدليل بالدليل والشائع بالمؤكد والكذب بالصدق وكما قال بعضهم متفاخرا:” نحن أبناء الدليل نميل معه حيث يميل” بدل ذلك تراه يمعن في استخدام طرق التشويه والتعمية على الآراء والأفكار المخالفة له لتخلو له الساحة لبث ما يراه هو مناسبا وبطريقته الخاصة وأساليبه التي يقرها هو بغض النظر عما تريده الأطراف الأخرى والتي قد تكون قليلة الحيلة وضعيفة الجانب.                                                     

وفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية فقد تضاعف عدد البلدان التي تدهورت فيها حرية التعبير والديمقراطية ثلاث مرات في العقد الماضي رغم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وإتاحتها للجميع ما يدل على أن تلك الوسائل رغم أنها قنوات للتنفيس وإبداء الآراء إلا أنها قد لا يعدها البعض مكسباً ديمقراطياً وفي صالح الحريات إلا فيما ندر ذلك لأن الأخبار المضللة والشائعات والمؤامرات والدعوة إلى الكراهية – حسب رأيهم – أضحت هي الطابع السائد فيها لذا ترى بعض الدول باتت تعمد إلى تقنين هذه الوسائل وتفرض عليها نوعا من الرقابة بما يحفظ للإنسان رأيه المجرد من كل عصبية وتحامل على الآخرين.     

إن ضمان مشاركة الجميع في اتخاذ القرار الجمعي سواء بإلحاقهم في الإدارات الرسمية أو النقابات ومجالس الشورى ومجالس النقاشات العامة التي يفضل أن تأتي تحت غطاء  رسمي وفي نفس الوقت دون تدخل فيها – هو عامل حاسم في ضمان حرية التعبير التي تأتي أكلها وتطرح ثمرها النافع فعندما يمكن للفرد أن يشارك بطريقة أو بأخرى في النقاشات العامة وتكوين الرأي العام وعندما لا يحتكر كيان واحد صنع القرار يمكن لحرية التعبير أن تؤدي مهمتها وهي تعزيز الديمقراطية وبالتالي ضمان الاستقرار.       

وقد يكون البعض محقا حين يطرح فكرة أن إتاحة التعبير عن الفكر والرأي على إطلاقها قد تأتي بنتائج عكسية منها انتشار الأخبار المضللة والمغرضة والمخالفة للقانون والأعراف وللحد من ذلك – وليس من حرية التعبير- يفضل تحديد قناة رسمية تتوخى الرد المسؤول والسريع على كل ما يمكن أن يتسبب في فوضى أو إشاعة سلوك سلبي وكما قالت وزيرة الرقمنة التايوانية “أودريه تانغ” وحسب رأيها فإنه إذا ما انتظرنا لليلة واحدة ولم نرد على المعلومات المضللة وخطاب الكراهية فإن الناس سيقومون بالفعل بربط هذا المنتج الثقافي المنتشر بالذاكرة طويلة المدى.   

إن السرعة في الرد على الأفكار الخاطئة والآراء غير السوية ليست وحدها هي الفيصل في معالجة الرأي الشاذ بل كذلك طبيعة رد الفعل فإذا ما قمنا مثلا خلال عدة ساعات بنشر رد مختصر يحتوي على عنصر الفكاهة تدفع الناس إلى مشاركتها مع أصدقائهم بدون ممارسة أي نوع من الانتقام أو التمييز أو الثأر فإنّ شعور الناس سيكون أفضل وسينتهي تأثير تلك الأفكار والآراء بسرعة دون أدنى ردة فعل مباشر.

إذن من السهولة بمكان التعامل مع انتشار الآراء المخالفة والأخبار المضللة والأفكار المغرضة ولا نحتاج إلى قمع الأفكار أو تكميم الأفواه أو مصادرة لفكر أحدهم وكما لا يمكننا منع انتشار المعلومات الخاطئة خاصة في عصرنا المتخم بوسائل النقل المعلوماتي كذلك لا يمكننا منع أحد عن التحدث على الأقل لمعرفة ما يدور في باله لاتقاء شر ما يفكر به وكما أورد القول المأثور:” تكلموا تُعرفوا” فإننا لا يمكن أبدا أن نعرف ما الذي يفكر فيه الآخر إذا لم يتكلم أو لم نسمح له بالحديث عن نفسه وما يعتمل في خاطره وقد لا يُعرف الشخص ولا يدير أحد بالا إليه فيظل يتكلم حتى يُعرف ومن ثم يُعرف ما يريد.